علي الهجويري

180

كشف المحجوب

قال أبو القاسم القشيري : إنه إذا كان الحلاج من أرباب المعاني فإنه لا يذم لمجرد أن الصوفية ذموه ، وإن كان الحق قد رفضه فإنه لا يقبل بقبول العوام له ، فالأحرى بنا أن نترك الحكم في أمره للّه ، ونجله إجلالا لآثار الحق ، التي وجدت عنده . والقليلون من المشايخ ينكرون كماله الروحاني ، وصفاء نفسه ، وكثرة مراقبته وزهده ، ومن قلة الأمانة أن نترك ترجمته في هذا الكتاب . يقول بعض الناس : « إن ظاهره كان كظاهر المشركين » . ولا يعتقدون فيه ، ويتهمونه بالحيل والسحر . ويظنون أن الحسين بن منصور الحلاج هو زنديق بغداد ، الذي كان أستاذا لمحمد بن زكريا ، وصاحبا لأبى سعيد القرمطي . ولكن الحسين هذا الذي اختلف الناس في شأنه كان فارسيا من أهل البيضاء . وانكار المشايخ عليه لم يكن لطعنهم في دينه ومبدئه ، ولكن بسبب سلوكه وتصرفاته . وكان تلميذا لسهل بن عبد اللّه ، فتركه دون أن يستأذنه ، ليتصل بعمرو بن عثمان المكي ، وترك عمرا أيضا دون أن يستأذنه لصحبة الجنيد ، ولكن الجنيد لم يقبله ، وهذا هو السبب الوحيد الذي أنكره المشايخ عليه والرجل الذي يحرم لسلوكه لا ينكر لعقيدته ، ألم تر أن الشلبى قال : أنا والحلاج شيء واحد ، خلصني جنونى ، وأهلكه عقله . ولو كان متهما في دينه لما قال عنه الشلبى : أنا والحلاج شيء واحد . وقد قال محمد بن خفيف عنه : « أنه عالم رباني » وأمثال ذلك فمن الغبن عقوق شيوخ الطريقة . والحلاج صاحب تآليف باهرة ، وأقوال مهذبة وعبارات رمزية في الأصول والفروع . رأيت خمسين تصنيفا له في بغداد ونواحيها ، ورأيت بعضها في خوزستان وفارس وخراسان . ولكن كدأب صغار السالكين بعضها أشد والبعض أضعف ، والبعض أسهل معرفة والبعض أكثر تعقيدا . ذلك أن اللّه إذا أكرم عبدا بشهوده ، وحاول هذا العبد أن يصف ما رأى وهو في فرط وجده ، جاءت كلماته غامضة ، وخاصة إذا عبر عن نفسه